فخر الدين الرازي

29

تفسير الرازي

أجاب الجبائي : بأن المراد : * ( فمنهم من هدى الله ) * لنيل ثوابه وجنته : * ( ومنهم من حقت عليه الضلالة ) * أي العقاب . قال : وفي صفة قوله : * ( حقت عليه ) * دلالة على أنها العذاب دون كلمة الكفر لأن الكفر والمعصية لا يجوز وصفهما بأنه حق . وأيضاً قال تعالى بعده : * ( فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) * وهذه العاقبة هي آثار الهلاك لمن تقدم من الأمم الذين استأصلهم الله تعالى بالعذاب ، وذلك يدل على أن المراد بالضلال المذكور هو عذاب الاستئصال . وأجاب الكعبي عنه بأنه قال : قوله : * ( فمنهم من هدى الله ) * أي من اهتدى فكان في حكم الله مهتدياً ، * ( ومنهم من حقت عليه الضلالة ) * يريد : من ظهرت ضلالته ، كما يقال للظالم : حق ظلمك وتبين ، ويجوز أن يكون المراد : حق عليهم من الله أن يضلهم إذا ضلوا كقوله : * ( ويضل الله الظالمين ) * ( إبراهيم : 27 ) . واعلم أنا بينا في آيات كثيرة بالدلائل العقلية القاطعة أن الهدى والإضلال لا يكونان إلا من الله تعالى فلا فائدة في الإعادة ، وهذه الوجوه المتعسفة والتأويلات المستكرهة قد بينا ضعفها وسقوطها مراراً ، فلا حاجة إلى الإعادة . والله أعلم . المسألة الرابعة : في الطاغوت قولان : أحدهما : أن المراد به : اجتنبوا عبادة ما تعبدون من دون الله ، فسمى الكل طاغوتاً ، ولا يمتنع أن يكون المراد : اجتنبوا طاعة الشيطان في دعائه لكم . المسألة الخامسة : قوله تعالى : * ( ومنهم من حقت عليه الضلالة ) * يدل على مذهبنا ، لأنه تعالى لما أخبر عنه أنه حقت عليه الضلالة امتنع أن لا يصدر منه الضلالة ، وإلا لانقلب خبر الله الصدق كذباً ، وذلك محال ومستلزم المحال محال ، فكان عدم الضلالة منهم محالاً ، ووجود الضلالة منهم واجباً عقلاً ، فهذه الآية دالة على صحة مذهبنا في هذه الوجوه الكثيرة والله أعلم . ونظائر هذه الآية كثيرة منها قوله : * ( فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة ) * ( الأعراف : 30 ) وقوله : * ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ) * ( يونس : 96 ) وقوله : * ( لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون ) * ( يس : 7 ) . ثم قال تعالى : * ( فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) * والمعنى : سيروا في الأرض معتبرين لتعرفوا أن العذاب نازل بكم كما نزل بهم ، ثم أكد أن من حقت عليه الضلالة فإنه لا يهتدي ، فقال : * ( إن تحرص على هداهم ) * أي إن تطلب بجهدك ذلك ، فإن الله لا يهدي من يضل ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي * ( يهدي ) * بفتح الياء وكسر الذال والباقون : * ( لا يهدي ) * بضم الياء وفتح الدال .